مصراتة يا سـُرّة الوطن الحلقة الرابعة

الهجرة ..

الهجرة لم تكن دائماً بحثاً عن الثراء أو لقمة العيش أو الهرب من الخشية، ولكن المغامرة أحياناً، ونجدة الملهوف أحياناً أخرى، كما صورتها مخيلة الملحمة في تجريدة حبيب (وحبيب من بيت عيت مريم في العبيدات)، عندما

احتربت قبيلتا العبيدات وأولاد علي، فاستنجدت الأولى بالوالي، الذي جند لها الجند، فيما عُرف في الذاكرة الشعبية بـ تجريدة حبيب، الذي يفترض أن رحاها قد دارت عام 1670م، وأدت إلى توطين كثير من قبائل مصراتة

وأخر من ورفلة، وتاجوراء، وزليطن، وغيرها .. وذكرهم الشعر:

لو ولا حبيب المريمي وانصاره .. تواجير وزليطن خيرة الفرسان
محاجيب مصراتة والقزير عصاره .. فيهم تريس الحق ما ينهان

فبعد التجريدة، وحطها أوزار الحرب، استقر أغلب عرب مصراتة وورفلة بمنطقة المغار وحواشيه، التي تسمى أيضاً بدرنة العليا، ومن العوائل المصراتية الخلص المساورة، ساسي، القزيري، سرقيوه، وبوجلدين المحاجيب،

واندمجت فيهم بيوتات من ورفلة من باب التكاتف وحسن الجوار، ويذكر الأستاذ صلاح محمد جبريل في كتابه الموسوم "تجريدة حبيب" بأن جدهم، علي جبريل، أوصى على مؤاخاة مصراتة حتى غلبت عليهم تسمية مصراتة

بدل ورفلة، واعتبارهم واحد ولديهم وثيقة بهذا الخصوص. (1)

وإحدى المصادر الشفوية التي سجلت لنا حضور قبائل مصراتة في هكذا ملاحم كانت الإضافة للشاعر البدوي عنصيل – قبيلة البراعصة بيت خضرة – عندما هام على وجهه في أرض الله الواسعة، فوجد نفسه تائهاً في

كربلاء، واقفاً أمام مرقد الحسين، والشيعة تتباكى عليه .. فساءل .. فاجبوه .. بمؤلم عاشوراء .. وكأنه معنياً عندما ناح الشيخ جعفر الكربلائي شعراً وقال:

فوا نفسي اذهبي وجداً وحزنا .. ويا عيني بحمر الدمع جودي
على حلو الشباب وبدر تم .. شبيه محمد خير الجدودِ
كأني بالحسين غدا ينادي .. علينا يا ليالي الوصل عودي

ويذكيه ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله:

تالله لا أنسى الحسين وشلوه .. تحت السنابك بالعراء موزع
متلفعاً حمر الثياب وفي غد .. بالخضر من فردوسه يتلفع
تطأ السنابك صدره وجبينه .. والأرض ترجف خيفة وتضعضع
والشمس ناشرة ذوائب ثاكل .. والدهر مشقوق الرداء مقنع
لهفي على تلك الدماء تراق .. في أيدي طغاة أمية وتضيع

فبكى عنصيل سليل برعاص مواسياً، فاجعة الآل والأمة، وزاده تأثراً موقف تخاذل بعض قبائل العراق، لعدم نصرتهم أحفاد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبث كربلاء وجداً وشعراً، كان لأصدائه ردود بين أهل النخوة في ليبيا،

وخاطب عنصيل كربلاء بأن له من بواسل قبائل ليبيا من سيقف دون الحسين، بالمهج والسنابك، وليس أشباه رجال العراق، أو كما وصفهم من قبل آباه، كرم الله وجهه، ويرد رجالنا عن السبط مظلوميته، إذا ما أعيدت الكرة على

جيش يزيد وخادمه ابن زياد يوم الطف فقال:

تمنيتني في الفين فوق احصنه .. نهار كربلاء ونجيه قبل يجنه
فوق جــوايد .. فراسين كسـر صاحبات عوايد
ارماح وجوازي يفزعن وفوايد .. ونا لولي اللي نقول ها يا عنه (2)

فالتقط الشطرة أحد شعراء مصراتة، كما فعل غيره من غيارى ليبيا، ليلتحم مع عنصيل، ويقتحم كربلاء في ملحمة ليبية تشيعت شعراً للحسين وخطبه .. فزاد:

تمنيتني في الفين من مصراتة .. فزعهن يجي ع الحال في طلباته
زغيبات وذكيران هل حضراته .. وان جت الحاشية قضيت جميع العنه. (3)

 

أيضاً هجرة تجار مصراتة، التي اجتذبها الربح، على وصف أستاذنا بازامه، كانت هجرات اقتصادية تجارية محضة، حملها على الاستقرار رواج الأسواق (4)، فجاء عرب مصراتة ليزاحموا الغير حتى فرضوا سيطرتهم على

تجارة بنغازي، ثم زحزحوا الطواهر (من قبائل زليطن) خارجها، ليستقر المقام بالطواهر في درنة بصورة نهائية. (5)

وعندما احتدمت بعض هذه الظروف، وخاصة بعد الحملة العسكرية التي قادها الوالي دارغوت باشا على تاورغاء ومصراتة، وجد أهل مصراتة على وجه الخصوص الملجأ في برقة، فكونوا نواة مجتمع حضري فيها (6)، التي

كانت حينها البادية يقطنها العرب البدو، ولم يُعرف فيها الاستقرار وحياة الحضر إلا في مدينتي بنغازي ودرنة. فنجح المصراتية في التجارة – كما هو حالهم أينما حلوا ونزلوا – وبذلك ملكوا حق الامتياز، وهذا در عليهم من

الخيرات مالاً وأملاكاً ما فاض وزاد لينعش الحياة الاقتصادية في الأماكن التي استقروا، وتاجروا فيها (7). ولذلك يرجع الفضل إليهم في ترميم البنية التحتية لبنغازي، وتقوية عمادها الاقتصادي وتنميته، فتسمت أحياء وشوارع

في بنغازي بأسمائهم كمصراتة، والمحيشي، وقصر حمد، وباله، والغويل، وبالروين، والصابري وغيرها. (8)

والشيء بالشيء يذكر .. يرجع منشأ منطقة الصابري المحاذية لشط البحر ببنغازي إلى عائلة الصابري التي أصولها من مرفأ قصر حمد البحري بمنطقة مصراتة، ولعلهم وجدوا في شط الصابري ورماله في بنغازي ما يخفف

عنهم الغربة، ويعوضهم في البعد عن شط ورمال قصر حمد في مصراتة، وللصابري مكانة خاصة لكاتب هذه السطور، لأنها مسقط رأسه، ومرتع طفولته، خاصة في سوق أحداش.

الملاحظ أن هجرة المصراتية شرقية في اتجاهاتها، وإلى بنغازي تحديداً، على الرغم من أن طرابلس الأقرب بالنسبة لمصراتة جغرافياً وسكانياً، ومن عائلات مصراتة خرجت عائلة الحبيب بورقيبة – درادفة – ليصبح مؤسس

دولة تونس الحديثة، كما كان لعلماء مصراتة، والغرب الليبي بصورة عامة، الفضل الكبير في تعليم البرقاوية أمور دينهم، بعدما أشركهم "الشراقة" الزرع والذرع، فتولوا مهام التعليم، والوظائف الإدارية إلى جانب القضاء.

وبذلك استطاع هؤلاء المهاجرين من غرب الوطن إلى مشرقه الربط بين الإقليمين ربطاً عضوياً، ومعنوياً، لدرجة استحالة الفصل بينهما، نتيجة التزاوج، والتصاهر، والتكاتب بين سكانهما.

وتعترف قبائل بادية برقة، وتقدر، لهم ذلك، بل في بنغازي استبدل البدو تسمية هؤلاء المهاجرين من "عرب غرب" أو "مصراتة" بـ "الحضور"، لتشمل من هم ليسوا من أصول مصراتية، وفي درنة سموا "درناوية".

وهاتان التسميتان تحملان دلالة صريحة على أنهم أصبحوا جزءً لا يتجزأ من التركيبة المحلية، بينما بقى البدو يعرفون كما كانوا بـ البدو، إلا من تحضر منهم، ودخل المدينة كدرنة، فتُخلع عليه تسمية الدرناوية لتحضره، فأصبح

البدو: بادية الحضور، والحضر: حضور البادية، وبهذا التعايش السلمي ازداد عدد سكان الحضر وخاصة في بنغازي ودرنة، إما بالتوالد أو بازدياد موجات الهجرة، حتى أصبحوا الأغلبية في أماكن مثل بنغازي. (9)

 

في أربعينيات القرن المنصرم حدثت هجرة كبيرة من مصراتة إلى الشرق نتيجة ما نزل بمصراتة من نوازل كادت تقضي على البشر كما قضت الحرب العالمية الثانية على كثير من الشجر والحجر، وعلى الرغم من إيطاليا

الاستعمارية أعطت بعض الأهمية لمصراتة لموقعها الاستراتيجي، فبنت فيها بعض المباني، وشقت الطرق، طبعاً للطليان المستوطنين، الذين استجلبت أغلبهم من فقراء صقلية ليعمروا المنطقة، واهتمت بميناء قصر حمد، الذي سمته

مصراتة مارينا، وللأسف هدم الليبيون منارة قصر حمد القديمة، وكذلك الظهير الزراعي في طمينة والدافنية اللتين عرفتا إبان الحكم الإيطالي بـ كريسبي والأخيرة قاربالدي، ورأيت بأم العين الأراضي التي استصلحها الحاكم

العسكري، والذي تكنى بـ فولبي مصراتة، Volpi Di Misurata، وكيف استأجر هذا الجنرال العمال المصراتية لفلح الحقول، التي كانت تغص بأشجار اللوز والكروم والنخيل والزيتون، والمعاصر التي

استخرج منها أجود أنواع النبيذ والزيوت التي تدرها أشجار الكروم والزيتون، لتصدر للخارج، وتبقى "الفيتورة" لمن هم في الداخل، وهذه الأشجار نُسقت على الطراز الأوروبي، والآن وبعدما آلت ملكيتها للدولة الليبية تغير

اسمها من فولبي إلى السويحلي.

 

ورأينا "بالاس بازينا"، أو بالأحرى ما تبقى منه بعد الهجر والإهمال، وقصر بوجعران، ومررنا على سيدي عبد الرؤوف وشجرة الزيتون التي تنظر إليها ديوك مصراتة بشيء من الشؤم، حيث كان يأتي أهل مصراتة لزيارة

المرقد، ومعهم في العادة ديكاً، فيذبح المسكين قرباناً، ويُبتلع، وما يتبقى في العادة منه الكراعين اللتين يعلقا بتلك الزيتونة، حتى غدا مثلاً شعبياً "مشية الديك لسيدي عبد الرؤوف".

فعندما نُكب الوطن وخاصة مدنه الساحلية التي ضربت بكثافة إبان الحرب، ووجد المصراتية أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، فأصابهم دمار الحرب، علاوة على القحط نتيجة غياب المطر لأكثر من خمس سنوات متتالية، فوصل

الجوع بالناس حداً لا يحتمل ولا يطاق، فليس هناك ما يأكل على الإطلاق، وزادت الأمراض حالهم سوءً، ففتك بهم الجدري والجرب ومرض الترخوما الذي ينتج عنه العمش الذي كان متفشياً بين الليبيين، ما يؤدي إلى العمي ..

وهذا المآسي صورها لي الدكتور علي فهمي خشيم في "هدرزة" معه على مصراتة (10)، وكان شاهد عيان على تلك الحقبة، وقال: بينما كنت ماشياً في زيارة لشقيقتي عام 1947م في بن نعسان، بمنطقة يدّر، وإذا

بعجوز مكفوف يصرخ والناس متحلقين حوله، ويبكي بحرقة ويقول: "عدو علي وخلوني وأني كنت راقد"، أي أهله تركوه وهاجروا شرقاً في هروب من الشر.

وعام 1947م عُرف بـ "عام الشر" حيث القحط والجدب، وما ترتب عليهما من مجاعة وأمراض وهجرة من المنطقة الوسطى والغربية.

ثم يسترسل الدكتور خشيم ويذكر أن الحال كان كما هو الصومال الآن – على سبيل المثال – ولكن لا مساعدة من الأمم المتحدة ولا حتى دول الجوار ولا العظمى أو هيئات إغاثة، فاضطرت بيوتات بكاملها للاتجاه شرقاً، حيث

وجود الاستقرار النسبي، أي سلطة الدولة، المتمثلة في الإدارة العسكرية البريطانية وإمارة برقة، كذلك العملة المصرية التي كانت متداولة، والأهم هو توفر سبل العيش كالأمطار التي انهالت على برقة مقارنة مع مصراتة، وما جلبته

من خيرات، والنمو الاقتصادي وتوفر فرص العمل التي لا يجد أهلنا أي عيب أو منقصة بالاشتغال بها، وكذلك أبناء العمومة الذين رحبوا بهم، وهذا لم يقتصر على مصراتة فقط بل وفدت الناس من طرابلس وما غربها والجبل

الغربي وزليطن ومسلاتة والعمامرة وقماطة والخمس وهون وسرت وترهونة وورفلة وفزان وغيرها من المناطق المنكوبة في الوطن، فاستقبلهم العوام والأعيان، ووفروا لهم فرص العيش، كما فعل المرحوم يوسف لنقي، عميد بلدية

بنغازي، مع أبناء عمومته من ورفلة.

تناغم عرب مصراتة وبرقة في تطابق الرؤى والتطلع، تجاوز الهجرة وروابط الدم والمصاهرة والتجارة، ليكتسب أهمية وإستراتيجية سياسية. (11)

يبقى أن نذكر بأن النعرة البنغازية تكاد أن تكون حضرية بامتياز، بقيادة مصراتية، حيث المعروف عن البدو ارتباطهم بأراضيهم في البادية التي يسمونها "وطن"، مثل وطن العرفة والدرسة إلخ، أما الحضر فقد تمسكوا بحواضرهم

سواء في بنغازي أو درنة، حتى أن الضابط المبروك البسيوني قالها صراحةً في محكمة الشعب في بداية السبعينيات بأن "بنغازي رباية الذايح" حين غاظه ضابط التحقيق وذكره بأصوله المصراتية، في حين أن العواقير الذين

يحلقون ببنغازي من ناحية البر كانوا يرون بنغازي "مربوعة" لهم، لا غير، على حد تعبير أحد مشايخهم، وأن عمادة بلدية بنغازي حتى مؤخراً كان يتداولها الحضر بينهم، وأن الهجمة الأولى التي باغت بها الاستعمار الايطالي

بنغازي تصدى لها الحضر في معركة جليانة، وكان لمصراتية بنغازي النصيب الأوفر من الشهداء السعداء.

 

Leave a Reply