مصراتة يا سـُرّة الوطن الحلقة السابعة
الـجـهاد ..
لأهل مصراتة فضل كبير في الجهاد كسائر الليبيين، ولا يستطيع أن يتنكر لذلك إلا جاحد أو متحامل، ولعل ما قاله الشيخ المؤرخ محمد مفتاح قريو في هذا الصدد أبلغ التعابير حين قال:
مصـراتة ذات الرمـال بلادي .. قد جاهدت في الله حق جهاد
شــهدت لها إيطاليا وجنودها .. والحق ماشهدت به الأعادي
قد حاربت في ليبيا من غـربها .. حتى إلى الشرق بدون هواد
وصحائف التاريخ قد حفظت لها .. أسمى جهاد رغـم كل معاد
ما كـان يخفى حربها وجهادها .. إلا على وغد من الأوغـاد
وأيضاً ما شهد به الأعداء أفضل دليل على ذلك حين أُثر عن غراتسياني قوله: "بإن ليبيا أفعى، ورأسها مصراتة"، ولعل أكبر رمز لجهاد مصراتة هم آل الشتيوي أو السويحلي، ابتداء من رمضان لسعدون إلى إبراهيم ابن
رمضان .. وكلهم قتلوا في ساحات الوغى وإن تعددت الأسباب والقتلة .. ولكنها ستبقى شواهد على تاريخ الآباء والأجداد وما رأوه من ابتلاءات وفتن وتخوين .. يقول الشاعر:
فأي شهيد أصلت الشمس جسمه .. ومشهدها من أصله متولد
وأي ذبيح داست الخيل صدره .. وفرسانها من ذكره تتجمد
البيّ رمضان السويحلي …
كان من الواجب مع رفيقي الدرب أن نزور آل السويحلي، وتحديداً في حي أم البخور بالمحاجيب، حيث درس رمضان السويحلي في إحدى خلوات زاويتها على يدي الفقيه سويسي بن ضيف الله، من أولاد سيدي المحجوب،
وعرف عن البيّ "تقديسه" لهذا الولي الصالح، حتى أنه عندما كان يأتي مقام الشيخ للزيارة ينزل من على دابته بمجرد ما يدخل حرمه، ويخلع نعله احتراماً وتقديراً للسيد المحجوب، ليعلو بعدها حتى استلامه القيادة بعد استشهاد
الحاج أحمد المنقوش في صدهم لزحف الطليان على مصراتة، ومن ثم يصبح البيّ رمضان زعيم حكومة مصراتة، التي امتدت من قصر القره بوللي غرباً إلى نهاية قصر سرت شرقا(1916م).
فقصدنا تحديداً بيت خديجة رمضان السويحلي، فاستقبلنا الحفيد، ابنها الحاج عبد الحميد أحسن استقبال في منطقة المحاجيب، والسويحلية أصلاً من منطقة وقبيلة يدّر، ولكن قصة انتقالهم فيها من الدم والثارات ما سنتجاوزه، فالحاج
عبد الحميد، ابن المجاهد محمد فتوله السويحلي، وأخته أم السعد، وأخوه مفتاح، وهم الأحفاد الوحيدين لرمضان بيّ.
فقد أنجب رمضان بنتين، خديجة (1905-1969م) أم الحاج عبد الحميد، وعائشة ماتت صغيرة في دار الهجرة بمصر، أما ولده الوحيد، إبراهيم، فقتلته الباندات الليبية في صحراء سرت عام 1923م، ولم يتجاوز
20 ربيعاً بعد، وكانت أختيه في انتظاره حتى يرحلهنّ إلى بر الآمان، ولكن المنية سبقت، ولم يترك وراءه عقب، وكان ذلك بعد استلامه القيادة بعد استشهاد عمه سعدون في معركة المشرك عام 1923م، فبموته انقطع نسل
رمضان من الذكور بعدما كان الرجاء والمؤمل:
رجوتك يا ولدي تعيش بعدي .. وتوسد جثتي رمس اللحود
وتمشي باكياً من خلف نعشي .. كما يبكي الوليد على الفقيد
ولم أنس النسـاء غداة فرت .. إلى نعش الشهيد بن الشهيد
أما سعدون أنجب سليمان وسكينة، وقد ماتا أيضاً بمصر، أما ابنه الوحيد الذي وهب الحياة فكان سالم الذي رجع من مصر وعاش وتوفي في حادث سير أليم في بنغازي منذ سنوات قليلة، وبمقتل إبراهيم أسدل الستار على معارك
الغرب بقيادة السويحلية قبل انضمامهم إلى مجاهدي الجبل الأخضر بقيادة الشيخ الرمز عمر المختار.
وقد غمرنا السويحلية بكرمهم، وسبق لي وأن سامرت الحاج سالم سعدون في بنغازي برفقة ابنا بطلين كبيرين هما: الحاج محمد عمر المختار والحاج علي عصمان الشامي. وقد حدثني الحاج عبد الحميد فتوله على جملة من
المفارقات، منها أن أخوال رمضان السويحلي هم آل كريك، وقيل أن أصولهم من جوازي برقة، كما أراني صورة نادرة كان فيها رمضان يشرف على استلام السلاح والذخائر بنفسه في منطقة العرعار على البحر من الأتراك عبر
الغواصات الألمانية المتحالفة مع العثمانيين الأتراك، ومن ثم ينقلها إلى منطقة سيدي عبد الرؤوف حيث المخابئ و"المطامير" هناك، وكان برفقته التهامي قليصة، ومعه في الصورة أيضاً، رفيق الجهاد عبد النبي بلخير، ولكن
دارت الأيام عليهما وتقاتلا، فغزى رمضان السويحلي صديقه الذي كان بالأمس يقاتل معه العدو الصائل، فقُتل رمضان في بني وليد عام 1920م، ولم يتجاوز حينها الأربعين من عمره ..
لقد قيل الكثير في مقتل رمضان السويحلي، ولم نصل للخبر اليقين بعد، بل حتى بعدما قرأت وسألت لم أجد من يعطيني الرد الشافي .. صمت غير مبرر .. وما بلغني إلا همسات في خفاء، ولهذا كثر عليه القيل والقال ..
فقيل إن البيّ كان صائماً حين قُتل ..!
وقيل كان ظامئاًً ..!
وقيل أن رأسه قُطع بعد قتله ..!
وقيل كان الرأس في طريقه إلى الطليان ليسلم عربوناً، ولكن رُد من وادي دينار بأمر من عبد النبي بلخير ..!
وقيل إن امرأة من مصراتة زوجاً لورفلي، تعيش في بني وليد، دفنت جثمانه حتى لا يمثل به ..!
وقيل: لا .. رموا بجثمانه في العراء ..!
وأغرب ما قيل هو أن الذي قطع الرأس في بني وليد كان مصراتياً منتصرا ..!
والأكثر حيرة هو ما قيل في أن قبره كان ومازال مجهولا ..!
وقيل أنه اكتشف مؤخرا ..!
وقيل أن جثمانه جيء به مع كل من بشير السعدواي من بيروت، وسليمان الباروني من بومباي، ودفنوا جميعاً في مقبرة الشهداء بطرابلس عام 1973م ..! وللعلم لم يكن أحدهم طرابلسياً، فالباشا الباروني جبالي من نفوسة،
والزعيم السعداوي والبيّ السويحلي مصراتيان، وإن كان موقع رأس السعداوي والتنشئة بالخمس.
لهذا كان سعدون شخصية عسكرية قتالية محضة، لا غبار ولا استفهام عليه خلافاً لأخيه رمضان الذي أثار، رحمه الله، ومازال كثيراً من اللغط حول سيرته بين الناس، خاصة خارج مصراتة، لأنه كانت عليه تحفظات من السيد
أحمد الشريف، وكان على خلاف مع السيد صفي الدين السنوسي بعد معركة القرضابية، وشنق البيّ لمشايخ السنوسية في مصراتة، وكذلك خلافاته مع زعامات الجوار كـ صالح لطيوش (المغاربة) أحمد المريض (ترهونة)
ومحمود عزيز (زليطن) ومحمد القاضي (مسلاتة)، وعبد النبي بلخير، ما أدى إلى قتله.
لهذا افترق القوم بين تقديس وتدنيس، فأصبحنا في رمضان السويحلي بين مفرط غالٍ، ومبغض قال .. وسأنقل لكم بعض أوجه الرأيين، واترك للقارئ الاستنتاج، وأؤكد على أن الموضوع لم يُفصل فيه بعد، فمازال كما هي رمال
صحرائنا المتحركة، لأن الأقلام لم تجف، والصحف لم ترفع بعد، في هذا الموضوع، الذي يتحاشاه كثير من أهل الاختصاص، لما فيه من حساسية بولغ فيها بين إفراط وتفريط، ولكن ما استطيع تأكيده أن رمضان السويحلي لم يكن
في نجاسة الشياطين ولم يكن في طهر الملائكة، إنما عبداً من ".. أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ..".
وفي هذا الخضم كتب الشيخ المفتي الطاهر أحمد الزاوي رحمه الله: ".. إن الذين يحاولون نسبة النصر الذي أحرزه في القرضابية إلى غير رمضان السويحلي، إما أنهم لم يفهموا الحقيقة، وإما أنهم مغرضون، لا يعترفون
بالفضل لأهله، ويريدون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ونعود ونقول:
إن بطل القرضابية هو رمضان السويحلي، ورمضان السويحلي وحده". (1)
بينما كتب الأستاذ محمد سعيد القشاط: ".. هذه هي معركة القرضابية، إحدى معارك الجهاد الوطني الخالد، قادها أبطال مغاوير يجب أن يبقوا علامات مضيئة في تاريخنا الوطني: أحمد سيف النصر – صفي الدين
السنوسي – صالح لطيوش". (2)
يظهر أن البيّ رمضان كان متوجساً من محيطه .. ولهذا تجسر .. فبدا عنيداً .. لا يرجع في رأيه، حتى أن أحد الضباط الصغار الإيطاليين الذين كانوا مع القائد الإيطالي الكبير كارلو كانيفيا، (3) بعد احتكاكه
بالمجاهدين وتمرسه، كتب في مذكراته التي نقل عنها الصحفي الايرلندي الذي كان ضد الحرب قائلاً: لو اتحدت جرأة رمضان السويحلي ودهاء عبد النبي بلخير لما غادرنا أسواق مدينة طرابلس. فهذه المقولة تكفي هذين
الرجلين رحمهما الله.
وقد أكد لي الأستاذ الباحث فرج لاغا، والمرحوم أصوله مصراتية، في حوار نشرته في كتاب بعنوان "أبطال وملاحم": "إن رمضان السويحلي عُرف بأسلوبه الحازم والقاسي"، فأخبرني: "بأن رمضان كان رجلاًً
رهيباً، لا يهاب أحداً، ولا يعرف الحلول الوسطية".
فهذا كله يشير على أن رمضان السويحلي كان فحلاً .. شديداً .. لدرجة الإفراط، وعلى أنها ثقافة عصره، ومقتضيات قيادته يا سائلي، فقد لاذت به الحساسيات من كل مكان، بينه بين الجوار، وحتى مصراتة وخاصة آل
المنتصر الذين كانوا القادة التقليديين لمصراتة، وهذا الغبش ألم بسيرة الرجل، وخاصة دوره في القرضابية ليومنا هذا، حتى أن أحد المهتمين كتب ذات مرة بعفوية المحايد: أن رمضان دخل القرضابية باندة وخرج منها بطلاً، فأثار
ذلك حساسية، وجدل بين بعض المرهفين.
يصف بعض المحايدين في مصراتة إلى أن التنافس بين آل المنتصر وآل السويحلي غير شريف، ولكن القاصمة كانت مع السنوسية، وفي هذا الصدد لن استشهد بالسنوسية أو شيعتهم في برقة، ولكن انقل ما كتبه السيد بشير السني
المنتصر في هذا الصدد:
" .. بعد احتلال إيطاليا للمدن الرئيسية، قامت بتأليف جيش من الطرابلسيين لمحاربة السنوسية في برقة، وعرضت إيطاليا أمر قيادة المجندين الطرابلسيين على عمر باشا المنتصر وأبناؤه، وكانوا يتولون مناصب قائممقام في
مصراتة وسرت في العهد العثماني، ولكنهم رفضوا، لأنهم من أتباع طريقة الإخوان السنوسيين الدينية منذ قدوم السيد السنوسي الكبير من الجزائر، ونزوله عند عائلة المنتصر في مصراتة، وهو في طريقه إلى المشرق للحج، وأقامته
بعد رجوعه من الحج في برقة.
وقيل إن عمر باشا المنتصر قال للإيطاليين: لو أعطيتموني الدنيا وما فيها فلن أحارب الأشراف السنوسيين. وكان معروفاً بأنه يحترم ويخاف من الأشراف و(المرابطين). وبعد ذلك لجأ الإيطاليون إلى رمضان السويحلي
خصم عمر باشا المنتصر وأولاده .. وعرضوا عليه قيادة المجندين الليبيين فأستغل الفرصة، وقبلها للتخلص من مضايقة خصومه، وبعد ذلك انقلب على الجيش الإيطالي مع غيره من المجندين الطرابلسيين في معركة القرضابية
المشهورة، حيت هُزم الجيش الإيطالي هزيمة نكراء، ورجع رمضان الشتيوي منتصراً إلى مصراتة مع السيد صفي الدين السنوسي، ثم أختلف معه، مما دفع صفي الدين إلى السفر سراً إلى برقة، تاركاً مصراتة في أيدي رمضان
الذي أعلن نفسه رئيساً للجمهورية.
وقامت إيطاليا قبل انسحابها من مصراتة تحت ضغط المجاهدين بنقل أعيان مصراتة كسجناء، كما سافر عمر باشا المنتصر وأولاده إلى طرابلس التي كانت تحت الحكم الإيطالي، بينما بقي بعض أفراد عائلة المنتصر في مصراتة،
وتعاونوا مع رمضان السويحلي، وحصل نزاع بينهم وأبناء عمر باشا المنتصر، وصل إلى درجة القطيعة والتآمر، وذهب بعضهم مع رمضان الشتيوي في حملته ضد ورفلة وعبد النبي بلخير التي قتل فيها رمضان، بينما كان عبد
القادر المنتصر وعبد العظيم المنتصر يحاربان مع عبد النبي بلخير ضد جيش رمضان الشتيوي. وأدت وفاة رمضان الشتيوي إلى خلاف كبير بين زعماء طرابلس من المجاهدين، وانقساماً استغلته إيطاليا التي كانت تشجع أحدهما
على الآخر، وتمدهم بالمال والسلاح، وتخصص لهم مرتبات ومساعدات ..". (انتهى).

هده مصراتة الحبيبة مصراتة التي دفعت الغالي والرخيص من أجل الوطن ومازالت تدفع وتقدم من أجل الوطن